هرمنا..هرمنا

"...فرصتكم أيها الشباب التونسي؛ تستطيعون أن تقدموا لتونس ما لم نقدم لها نحن، لأننا هرمنا.. هرمنا  من أجل هذه اللحظة التاريخية"، أصبحت أُعرف في تونس والعالم العربي كله بـ "أحمد هرمنا" بعد البرومو الشهير الذي بثته قناة الجزيرة في الأيام الأولى للثورة التونسية.

عايشت سلطتين لنظام واحد في تونس، سلطة الرئيس الحبيب بورقيبة وسلطة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وكنت معارضا لكليهما. معارضتي تجسدت في نشاطي بالجمعيات المدنية، ومن خلال الكشافة والمسرح. لم أسلم من اضطهاد النظام وملاحقته المستمرة لي، حتى اضطررت للهجرة إلى السعودية في عام 1992  وبقيت هناك سبع سنوات كاملة، وحين عدت لم ألحظ تغيرا كبيرا في سياسة النظام.

ثورة أون لاين

بالتزامن مع انتفاضة الحوض المنجمي بتونس سنة 2008 عملت صحبة مجموعة من الشبان والناشطين المدنيين سرا على نشر ممارسات النظام القمعية في صفحات الفيسبوك وشبكة الانترنت، في ظل غياب الأحزاب السياسية التي كان معظمها مساندا للنظام.

حتى كانت شرارة السابع عشر من شهر ديسمبر، حين أقدم الشاب محمد البوعزيزي على إحراق نفسه أمام محافظة سيدي بوزيد بالجنوب التونسي. لحظتها ازدادت قوة نشاطنا على الفيسبوك مع ازدياد حدة التحركات الاحتجاجية.

 كنا نجند المدونين لنشر المعلومات وكشف حقيقة الأحداث ونشر تجاوزات عائلة الطرابلسي أصهار الرئيس المخلوع، مما زاد في درجة الاحتقان لدى الفئات المستضعفة من الشعب. كان ارتفاع عدد الشهداء بمدينتي القصرين وتالة  والمناطق الأخرى قادحا  للتونسيين لمزيد العمل ضد النظام القائم، حتى وصلت الاحتجاجات إلى العاصمة. وقتها أدركنا أن نهاية النظام وشيكة؛ فلم تدم التحركات سوى ثلاثة أيام بعدها فر الرئيس المخلوع.

نار في العاصمة

كنا نخرج صباحا من أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل وسط المدينة في اتجاه الشارع الرئيسي بالعاصمة شارع الحبيب بورقيبة، وحين يدركنا وقت حظر التجوال في الخامسة مساء نأوي  إلى بعض المباني  الشاغرة؛ نقضي فيها ليلتنا ثم نعاود التجمع في صباح اليوم التالي.

يوم الرابع عشر من يناير أعلن خبر هروب بن علي؛ وحين أدركنا موعد منع التجول  قامت قوات الجيش والأمن بتفريق المتجمعين أمام وزارة الداخلية بطريقة سلمية، فعدنا إلى أماكن المبيت التي كنا نأوي إليها كل ليلة، ننتظر تطورات الصباح وما سيأتي به من جديد.

في اليوم الموالي  اتجهت نحو شارع الحبيب بورقيبة  فشاهدت أطفالا يلعبون  بالحبل  فأخذني الحنين إلى أبنائي وطفقت أشارك أولئك الأطفال لعبتهم حتى لمحني المراسل صحبة زميله المصور التلفزيوني  وسألاني  وقد عجبا لرؤية رجل أشيب يلعب بالحبل، سألاني ماذا يحدث في تونس  فخرجت تلك الكلمات الصادقة كأنها إلهام: "فرصتكم أيها الشباب التونسي.. تستطيعون أن تقدموا لتونس ما لم نقدم لها نحن لأننا هرمنا.. هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية ".

ضريبة الشهرة

لم أكن أتصور أن تلك الكلمات ستجعلني في صدارة الأحداث، لكن بفضل الله ثم بفضل قناة الجزيرة كان لـ "هرمنا " كل هذا الصدى في أنحاء العالم المختلفة.

هذا الجانب الإيجابي لشهرة لم أكن أنتظرها لا يخفي بعض السلبيات التي صارت تضايقني في حياتي الشخصية، خاصة مع انتشار الإشاعات حول المستوى المادي الذي صرت إليه.  وقد نسج كل واحد حوله حكايات وأرقاما  لا علاقة لها بالواقع والحقيقة. حتى أقرب الناس إليّ لم يصدقوا أنني لم أجنِ أرباحا مادية مثلما تنشر ذلك الإشاعات. غير أن ما بعث فيّ الأسى أكثر هو تهافت الأحزاب السياسية على استغلال "هرمنا " في حملاتهم الانتخابية. وقد عرضوا علي مبالغ مالية معتبرة رفضتها لأنني أرفض استغلال رمز من رموز الثورة،  ولأن الثورة لا تشترى ببعض المليمات التافهة.

أحمد الحفناوي