عرف الليبيون في منتصف فبراير/شباط من عام 2011 ما جربه قبلهم التونسيون والمصريون وآلمتهم نداءات ساخرة تدعوهم للانحناء؛ حتى يتراءى الجيران الغربيون والشرقيون وهم يأتون فعل الثورة، الذي لا يأتيه غير الرجال الحقيقيين كما يقول السَّخَرة.
جاوز الامتعاض حد التحمل وفاضت روح الثورة على "الثورة"؛ التي عاش الليبيون ردحا غير يسير على طنينها وبريقها وشعاراتها ووعودها، وعلى أحلام ممتعة يولد بعضها ميتا وبعض لا يعتمد تحققه على الليبيين وحدهم، ولا يمكن بأي حال أن يبوءوا بوزر الفشل في إنجازه دون غيرهم.
خرج الليبيون في مدن الشرق مطالبين بالعدالة الاجتماعية ومراعاة الضعفاء، وسرعان ما أدركوا - بغريزة التوق للحرية والانعتاق - أن سقف المطالب يمكن أن يرتفع قليلا. وظل ذلك القليل يتمدد إلى أن اكتسحت روح الثورة أجزاء واسعة من البلاد.
روح الجزيرة
في الدوحة، وعلى بعد آلاف الكيلومترات شرقا كانت روح أخرى، نسميها نحن روح الجزيرة، تغذي "الدورة الدموية الصحفية" في كثير من أبناء هذه المؤسسة الرمز. وجدت نفسي بصورة طبيعية أقرع الأبواب منبّها إلى رسالة أبرق بها قبل ساعة أو يزيد الزميل محمد دلبح من مكتب الجزيرة في واشنطن، قائلا إن هناك مجموعات على استعداد " لتأمين" دخول فرق من الجزيرة إلى ليبيا.
لم يبح أحد بسره، لكنّ العيون والابتسامات كانت تفضح غايات الصحفيين وهم يتدافعون عند مكاتب المسؤولين في الجزيرة أيهم يخطب ليبيا.
كان عليّ أن أفرح في صمت؛ فيبدو أن محاولاتي في طريقها للنجاح. وبصمت أكبر أكملت استعداداتي، أنا وزميلي الصحفي والمذيع عبد العظيم محمد؛ حتى إن أقرب الناس إليّ لم يكن على علم بوجهتي الحقيقية. وأقصى ما عرفوه أني مسافر إلى مصر للمشاركة في تغطية ما بعد ثورتها.
ساعات قليلة وكان للجزيرة فريقان في ليبيا، أحدهما في مدينة البيضاء ويضمّ الزميلين عبد العظيم محمد ومنتصر مرعي. أما أنا فقد واصلت إلى بنغازي وكنت ضمن الفريق الثاني الذي ضم عددا من المهندسين والمصورين المتطوعين، بالإضافة إلى الزميلين ناصر الهدار ونعيم العشيبي، الذي أصبح في ما بعد مراسلا للجزيرة هناك.
الجابر الخلوق
وصل أول فريق فني متكامل من الدوحة مطلع شهر مارس/آذار، وأصبح لنا مكتب متكامل. وكان من بين الوافدين الجدد علي حسن الجابر، رئيس قسم التصوير في القناة.
لم يكن الجابر الأكبر سنا فحسب.. لقد كان أيضا الأغنى تجربة، والأعظم خلقا، وكان مصابا بداء حميد اسمه الكرم والسماحة وروح الدعابة مع وقار ومهابة واضحين.
لم أكن أعرفه معرفة خاصة أو أتيحت لي فرصة العمل معه عن قرب، لكنّ الأيام القليلة التي عشناها معا في بنغازي مكنتني من الوقوف على جانب مهمّ من حياته، أبرز ما فيه الشيم النادرة والعطف على الضعيف والحس الإنساني المرهف.
ذات مساء بلغنا نبأ انفجارات في مخازن للذخيرة ومركز لتجنيد المتطوعين في منطقة الرجمة جنوب بنغازي. كانت المهمة الأولى التي تجمعني بالجابر. وقفنا على فداحة الخسائر الناجمة عن تلك الانفجارات. حطام السيارات متناثر على قطر مئات الأمتار، والدخان ما زال يتصاعد من بعض المواقع، والأشد إيلاما أننا وجدنا المتطوعين في مهمة التمريض وقد جمعوا في أكياس أشلاءً محترقة يعلم الله أن كثيرا منها لا تدري أهو ساق أم رِجل أم وجه.
المهمة الأخيرة
أما المهمة الثانية التي سعدت فيها برفقة الجابر فكانت إلى بلدة سلوق على بعد نحو خمسين كيلومترا جنوب غرب بنغازي، لتصوير تجمّع مؤيد للثورة، وقد قادتنا إلى ضريح شيخ الشهداء عمر المختار.
ونحن في طريق العودة قلت لصاحبيّ (الهدار والجابر): "لا يمكن أن تتخيلا مدى سعادتي بأن زرت ضريح المجاهد الكبير عمر المختار، وهو ما لم أخطط له في حياتي؛ لكن الأقدار شاءت أن تقوم الثورة في ليبيا وأن أكون أول من وصل من الجزيرة إلى بنغازي، وأن أكون أنا والجابر أول من زار هذا الضريح من أعضاء فريقها الإعلامي".
وبينما نحن في طريق العودة - وعلى بعد عشرين كيلومترا تقريبا من بنغازي بين منطقتي الهواري والنواقية - إذا برصاص ينهمر علينا من سيارة كانت تتعقبنا كما يبدو، أصيب الهدار إصابة سطحية فوق أذنه، وأصيب الجابر بثلاث رصاصات في الظهر؛ بينما لم أصب وأنا على يسار الشهيد في المقاعد الخلفية.
الجابر الشهيد
"أشهد أن لا إله إلا الله" ظل يرددها الجابر، حتى وصولنا إلى مستشفى الهواري بعد نحو نصف ساعة؛ ليبلغنا الأطباء نبأ الفاجعة. لقد فارق الجابر الحياة شهيدا بإذن الله.
كم هو مؤلم أن يتركك رجل عظيم كعلي الجابر بهذه السرعة، وما أقرب الحياة من الموت، فقد كنا نتحدث خلال الرحلة وها قد انتقل عنا إلى رب غفور رحيم.
كغيري من إخوتك وزملائك بكيتك سرا غير ما مرة؛ مثلما بكاك ليبيون كثيرون أطلقوا اسمك على مدارس وساحات عامة، وفصائل ثورية.
بكيتك وسأظل أبكيك ما تذكر حبيب حبيبه - ويقينا لستُ في ذلك وحيدا - وقد دعوت لك بالرحمة والمغفرة عند بيت الله الحرام؛ وبين يدي مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم. وفي كل مكان وحين ستظل ذكراك العطرة تحفّنا لمكانتك بيننا ولكن لا راد لقضاء الله. هي الجزيرة وروحها تجري فينا مجرى الدم، وما أسعدنا بأنها تجمعنا بأشخاص مثلك يا شهيد يا حبيب.
بيبه ولد امهادي