الجزيرة .. سيرة ومسيرة

الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني

يتزامن إحياء الذكرى الخامسة عشرة لإطلاق قناة الجزيرة الإخبارية يوم 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1996 مع التغييرات التاريخية التي تعيشها الشعوب العربية والتي أصبحنا نطلق عليها مسمى "الربيع العربي". فقد هبت على منطقتنا منذ موفى عام 2010  رياح التغيير، فتحركت الشعوب من أجل استعادة  كرامتها وحقوقها والمشاركة في بناء مستقبلها.

ولم تحد شبكة الجزيرة عن سياساتها التحريرية الثابتة في التزامها بالرأي والرأي الآخر وإنصاتها لنبض الشارع  وللجماهير في الدفاع عن حريتها وعزتها. وبالرغم من كل الصعوبات التي واجهتها قنوات الجزيرة وواجهها العاملون بها في نقل الصورة الموضوعية للأحداث العالمية، تمسكت الجزيرة بثوابتها ولم تحد عن مبادئها في تقديم إعلام موضوعي مناصر لقضايا الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

إن مسيرة السنوات الخمس عشرة الماضية حافلة بالإنجازات وببعض الآلام. فقد نجحت الجزيرة في التحول من قناة إخبارية عربية بدأت بست ساعات بث يومياً وبإمكانات متواضعة إلى شبكة إعلامية عالمية يصل بثها إلى مئات الملايين من المشاهدين في القارات الخمس. كما تنوعت الخدمات التي تقدمها فشملت الأخبار والأفلام التسجيلية والرياضة ومركزاً للتدريب وآخر للدراسات وإعلاماً متعدد الوسائط.

وتعد شبكة الجزيرة الرياضية اليوم إحدى أهم الشبكات في العالم بما تقدمه من تغطية لمختلف الفعاليات والبطولات العالمية في شتى الرياضات. ولا شك أن استضافة قطر نهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2022 ستساهم في مزيد من تطوير الشبكة الرياضية وإشعاعها في العالم.

كما نجحت الجزيرة الإنجليزية في كسر هيمنة الشبكات العالمية على مصادر الخبر وتمكنت فى ظرف زمني وجيز من منافسة القنوات الإخبارية في أوروبا والولايات المتحدة؛ ويشهد لها كثيرون عبر العالم بالمهنية والموضوعية في نقل وقائع الأحداث العربية والدولية. ووفقت الجزيرة الوثائقية في اكتساب شرائح كبيرة من المشاهدين العرب المهتمين بالأفلام التسجيلية الذين لم تكن لهم قناة وثائقية بهوية راسخة وروح عربية.

ولم تكن هذه النجاحات لتتحقق لولا اجتهاد ومثابرة والتزام آلاف العاملين في شبكة الجزيرة الذين جاءوا من قطر ومن كافة أنحاء العالم جمعهم حبهم للعمل الصحفي والإعلامي الحر وإيمانهم أن الجزيرة مشروع حضاري رائد يجسده طموح أمة بأكملها تتطلع إلى الحرية والسلام والتنمية.

لقد عانى العالم العربي طويلاً من غياب مؤسسات إعلامية تعبر بصدق وموضوعية عن طموح شعوبه. ولم يكن أمام القراء والمستمعين والمشاهدين في عصر ثورة الاتصال سوى الإعلام الرسمي المرتبط بأنظمة الحكم أو بالمصالح السياسية والمالية الضيقة القريبة من السلطة، وهو إعلام جامد غير قابل للتعددية ورافض لكل أشكال الحريات الصحفية، حتى جاءت الجزيرة فكسرت القيود والأنماط وأعلنت منذ انطلاقها أنها المنبر الذي سيعبر الناس من خلاله عن آمالهم وطموحاتهم.

ولم تخل مسيرة السنوات الخمس عشرة الماضية من آلام؛ إذ فقدت الجزيرة مجموعة من أفضل عناصرها ضحوا بأرواحهم في سبيل إيصال الكلمة الصادقة ونقل الصورة الموضوعية. وكان آخر شهداء الجزيرة الصحفي القطري علي حسن الجابر، وسبقه فى العراق طارق أيوب ورشيد والي وأطوار بهجت. لقد صنع هؤلاء الزملاء مصداقية الجزيرة وسنظل جميعا مدينين لهم بالرحمة والعرفان.

كما واجه عدد من مراسلي الجزيرة  خلال أدائهم واجبهم القصف والتنكيل والاعتقال بروح مهنية عالية مثل سامي الحاج وتيسير علوني ودوروثي بارفاز وسامر علاوي وأحمد فال ولد الدين وعمار الحمدان ولطفي المسعودي وكامل التلوع ... وآخرين ممن عرضوا حياتهم للخطر في سبيل إيصال الخبر الصحيح والمعلومة الدقيقة.

ولعل أهم من صنع نجاح الجزيرة ومجدها جمهورها الذي هو المالك الحقيقي لهذه الشبكة. فقد تمسك جمهور المشاهدين بوفائه للجزيرة رغم كل حملات التشويه التي تعرضت لها ورغم محاولات التشويش على بث قنواتها في مناطق كثيرة. ظل الجمهور مرابطاً مع الجزيرة متفاعلاً معها مؤمناً برسالتها. إن رصيد المصداقية والثقة الذي شرفنا به المشاهد أينما كان في العالم يمثل مصدر اعتزاز كبير بالنسبة لنا جميعاً؛ وهو أيضا مسئولية وأمانة سنحملها في سبيل خدمة هذا الجمهور بكل صدق وموضوعية ومهنية.

لقد حقق الإعلام العربي منذ إطلاق قناة الجزيرة عام 1996 تطوراً كبيراً؛ إذ أصبح بوسع المشاهد العربي اختيار قناته الإخبارية المفضلة والبرامج التي يطمح لمشاهدتها  والتواصل مع قناته عبر شاشتها أو عبر وسائطها المتعددة ومواقعها الإلكترونية. ونتعهد أمام مشاهدينا بالمثابرة في العمل والاجتهاد كي نظل الأفضل والأجدر بثقتهم بالجزيرة ووفائهم لقنواتها.

الدوحة 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2011