حسن الصومالي وولي الله الأفغاني

مخيم داداب على الحدود الكينية الصومالية جحيم بكل ما في الكلمة من معنى. نصف مليون من اللاجئين الصوماليين يعيشون ظروفا مستحيلة. جوع وتشرد وخوف. تلفح وجوههم وأجسادهم ريح سموم، لا يجدون منها مهربا إلا أكواخا من قش لُفت بمزق من قماش، لا تقي من هجير الشمس ولا الريح العاتية.

وصلنا مع شروق شمس عيد الفطر، وشقت عرباتنا الطرق الترابية، فعبرنا المخيم الأول ثم الثاني وهكذا حتى المخيم السادس. هاأنذا مع زملائي في طريقنا لمشاركة مراسلي الجزيرة عيدهم في الميدان. وأي وجهة أحسن من ميدان الصومال؟ خيام وأكواخ وبؤس وغبار وقطعان ماعز ضامرة. قال مرافقنا إن هذه الأرض كانت خضراء، لكن النازحين قطعوا معظم الشجر لكي يوقدوا به النار. أما ما تبقى من أشجار خضراء يانعة، فقال مرافقنا إن الناس هنا يطلقون عليها (الشجرة الملعونة)، لأنها سامة، إن أصاب شوكها الناس أهلكهم، ولا تقربها الدواب. حمت نفسها من أن تصبح وقودا لجحيم الحرب الصومالية المستعرة.

عيدٌ بلا فرح

ساحة صلاة العيد؛ معظم الحضور من الأطفال والنساء؛ بعض الأطفال ارتدوْا ملابس جديدة قدمتها لهم جمعيات خيرية، ويحمل بعضهم ألعابا بلاستيكية، يحتفلون ويتضاحكون.

تحدثت مع بعض الأطفال، لا مدارس تؤويهم. قرابة مئتي ألف طفل لا يجدون تعليما نظاميا، غير أن كثيرا منهم يحفظون القرآن، يرتلونه بصوت ندي، وباسترسال مدهش. ورغم الفقر والبؤس والتشرد المرتسم على ملامح الكبار في المخيم، رأيت في عيون الأطفال أملا وحبا وسكينة.

حسن – ذو الأعوام السبعة – يبدو أصغر من سنه بكثير، وهذا حال غالبية الأطفال هنا لسوء التغذية. ارتسمت على وجهه ابتسامة أخفت أثر الندوب التي تغزو ملامحه بسبب الجفاف والحر. هنا عادت بي الذاكرة عشرة أعوام إلى (سالانج) شمالي كابل في أفغانستان، وقد كنت مراسلا حينها، عندما أخذني سحر ابتسامة ولي الله ابن الخامسة، وقد تشقق وجهه، لا بسبب سعير الحر والتراب كما هو حال مخيم داداب، ولكن بسبب زمهرير البرد.فدرجات الحرارة انخفضت هناك إلى ثلاثين تحت الصفر، وكان هو وعائلته ومئات آخرون قد حوصروا في قمة معبر سالانج الجبلي الشهير بسبب الانهيارات الثلجية.

ذهبت إلى سالانج لنقل وقائع جهود الإنقاذ، فلم أجد سوى عدد من سكان القرى المجاورة بأدواتهم البسيطة يحاولون دون جدوى شق منفذ يخرج العالقين من الهلاك المحتوم.

حسن الصومالي وولي الله الأفغاني ضحايا داء واحد: حرب أهلية دمرت عبر عقود آمالا وآفاقا وأجيالا وأشياءَ كثيرة، إلا أن ابتسامة كل منهما لا تزال تغالب الموت وتنتصر للحياة.

زيارة مخيم داداب لم تكن مهمة عابرة، بل كانت محطة مهمة في مسيرة عملي المهني؛ فعندما وقفت أمام الكاميرا تحدثت كمراسل تلفزيوني، وهي صفة عزيزة على نفسي. وعلى الرغم من ثماني سنوات كاملة في قمة الهرم الإداري بالجزيرة، إلا أنني لا أزال أحن إلى الميدان. فالصحافة الميدانية أكثر صدقا وتعبيرا، وأقرب إلى الإنسان، وهي بحق المزية الأهم في تغطية الجزيرة للأحداث. فالجزيرة تضع الإنسان في بؤرة سياستها التحريرية، مؤثرة الانحياز إلى الناس على الانحياز إلى مراكز القوى؛ فالناس أصدق تعبيرا وأقرب إلى الصواب. وقد تعلمت من الجزيرة أنه حيثما اتجه الناس فيمم وجهك شطرهم، فثمة حقيقة.

سر النجاح

كثيرا ما أُسأل عن سر نجاح الجزيرة، فلا أجد في الإجابة أهمَّ من "الاستقلالية"، استقلالية الجزيرة وخطها التحريري عن مراكز القوى بكل أنواعها: الحكومات والقوى الدولية والأحزاب والشركات... وهي سياسة كلفت الجزيرة غاليا؛ من أجلها قضى طارق أيوب ورشيد والي وعلي الجابر. ومن أجلها مكث تيسير وسامي في السجن بضع سنين. ومن أجلها اعتقل وعذب وأبعد مراسلو الجزيرة وطواقمها في كثير من البلدان، وأغلقت للجزيرة مكاتب وصودرت معدات وأوصدت أبواب كثيرة من قبل أهل السلطة، وتم التشويش على إشارة بثها. ذلك وغيره لم يفل عزم الجزيرة والعاملين فيها، بل استمرت في رسالتها بشجاعة وتصميم. عندئذٍ التف المشاهدون من حول شاشاتها، وشعروا أنها منهم ولهم، لا لترويج رأي بعينه، ولا لتسويق سياسة محددة، بل هي منبر لمن لا منبر له.

ووجدت الجزيرة في إقبال الناس عليها خير عزاء، ولا أزال أذكر كيف تمكن نظام القذافي ونظام حسني مبارك من حجب إشارة الجزيرة عن الأقمار الصناعية بالتشويش وبوقف بث الجزيرة عن نايلسات فجأةً أثناء نقل  وقائع الثورة المصرية. وفي مرحلة سجلت أعلى معدلات المشاهدة عبر التاريخ، حجبت شاشة الجزيرة فجأة عن الملايين لساعات. عندها تقدم عدد من القنوات المحلية والعربية وأعادت بث إشارة الجزيرة، فأطلت على مشاهديها عبر قنوات كثيرة، واستمرت الجزيرة في بث هتافات الثوار من ميدان التحرير حتى مساء الجمعة الذي انطلقت فيه مظاهرات الفرح من المحيط إلى الخليج استبشارا بسقوط نظام مبارك. كل ذلك كان عبر الجزيرة بقناتيها العربية والإنجليزية من دون تردد ولا تشكك.

منبر تعددي

منذ خمسة عشر عاما أدرك مؤسسو الجزيرة وأبناؤها أنهم أمام مهمة جسيمة في وقت كان عسيرا على الإعلامي أن يكون مستقلا. وكان مثيرا للشك أن تحمل قناة تلفزيونية شعار (الرأي والرأي الآخر)، ولكن الجزيرة انطلقت من صميم الواقع العربي وعقله التراكمي، وعرّفت ذاتها بأنها:"خدمة إعلامية عربية الانتماء عالمية التوجه، شعارها الرأي والرأي الآخر، وأنها منبر تعددي ينشد الحقيقة ويلتزم المهنية في إطار مؤسسي"، عبارة جامعة لقيم راسخة، بقيت تحرس شاشات الجزيرة منذ انطلاقتها، فواجهت ما واجهت من حملات التشكيك والاستعداء. غير أنه وبعد كل هذه السنوات انتصرت مدرسة الجزيرة، وصارت مهنيتها الإخبارية معيارا عالميا في دنيا الإعلام، واتسعت دائرة مشاهديها فضمت مئات الملايين من الناطقين بالإنجليزية، وستضم فيما بعد مثلهم من الناطقين بالتركية والسواحيلية ولغة أهل البلقان. ولعل اختيار لغات محلية لإطلاق قنوات جديدة لم يكن مصادفة؛ فالجزيرة مؤمنة بأن العقل الجمعي لأية أمة لا يتشكل إلا بأدوات معرفية نابعة من اللغة الأم والتاريخ المشترك. وما فعلته الجزيرة في العالم العربي من تشكيل وعي مشترك بالأولويات والأحداث، يمكن أن يتكرر في مناطق مختلفة.

انتصر منهج الجزيرة التحريري، ومعه انتعشت آمال المنطقة في مستقبل أكثر تحررا وكرامة وازدهارا. ولعل أطفالا مثل حسن الصومالي وولي الله الأفغاني، ومعهما عمرو المصري ومصطفى الليبي وعبد الله اليمني والملايين في كل مكان سيبنون مستقبلا جميلا، وستبقى الابتسامة الساحرة على شفاههم وإن تقدم بهم العمر، فهم جيل ما بعد الثورة.

وضاح خنفر